فخر الدين الرازي
126
النبوات وما يتعلق بها
الثالث : لعله قام غضبا على ذلك القائل ، المدعى ، أو استهزاء به ، ويكون مقصوده : انه وان فعل ما التمسه منه ذلك الطالب ، لكنه لا يلتفت إليه ، ولا يقيم له وزنا نعم لا ينكر أن صدور ذلك الفعل من ذلك الملك « 8 » في ذلك الوقت على وفق دعوى المدعى يوهم ايهاما ضعيفا : أن الغرض هو تصديق ذلك المدعى . فأما أن يقال : انه يفيد القطع والجزم بأنه لا غرض له فيه الا هذا التصديق : فبعيد . والاعتراض الثاني : ان نقول : سلمنا أن في الشاهد كما ذكرتم . فلم قلتم : انه يجب أن يكون في حق الله تعالى كذلك ؟ والفرق من وجوه : الأول : أنا انما قضينا على ذلك الملك يكونه مصدقا لذلك المدعى في دعواه : إذا عرفنا أنه براعى مصالح ملكه ، وأنه لا يفعل فعلا تتشوش بسببه مملكته ، اما إذا اعتقدنا في ذلك الملك : انه لا يبالي بالمصالح والمفاسد البتة ، فإنه لا يحصل هذا الظن « 9 » . أو أن اعتقدنا فيه أنه يراعى المصالح والمفاسد « 10 » . لكنا نعتقد فيه أنه ملك بعيد الغور ، عظيم الفكر ، كامل . العقل ، قد يأتي بأفعال يظن بها أنها توجب المفاسد العظيمة ، الا انه بعقله الكامل ، وفكره الغائص ، يعرف فيها من وجوه المصالح الخفية ما لا يقف عليه الغير البتة . فإذا اعتقدنا في الملك هذه الصفة ، لم يصر ظاهر أفعاله دليلا على التصديق والتكذيب . ومن المعلوم : أن أقسام حكمة الله تعالى في تدبير السماوات والأرض ، مما لا سبيل لاحد إلى الوقوف على معاقده وضوابطه . فكيف يمكن قياس أحد البابين على الآخر ؟ الفرق الثاني : أن الملك في الشاهد - لو آتى بذلك المطلوب ، مع أن ذلك المدعى يكون كاذبا . لكان ذلك سعيا منه في ( افساد مملكته ، وذلك بعيد . لان سعيه في افساد مملكة نفسه ، سعى منه في ) « 11 » الحاق الضرر
--> ( 8 ) المدعى ( ت ، ط ) ( 9 ) الطعن ( ت ، ط ) . ( 10 ) أما ( طا ) . ( 11 ) من ( ل ) ، ( طا ) .